صديق الحسيني القنوجي البخاري

282

فتح البيان في مقاصد القرآن

فيكون المعنى بل جوارح الإنسان عليه شاهدة ، قال أبو عبيدة والقتيبي أن هذه الهاء في البصيرة هي التي يسميها أهل الإعراب هاء المبالغة كما في قولهم علامة ، وقيل المراد بالبصيرة الكاتبان اللذان يكتبان ما يكون منه من خير وشر ، والتاء على هذا للتأنيث . وقال الحسن : أي بصير بعيوب نفسه ، وقال ابن عباس : شهد على نفسه وحده ، وعنه قال سمعه وبصره ويديه ورجليه وجوارحه . وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ أي ولو اعتذر وتجرد من ثيابه وجادل عن نفسه لم ينفعه ذلك يقال معذرة ومعاذير على غير قياس كملاقيح ومذاكير جمع لقحة وذكر ، قال الفراء أي وإن اعتذر فعليه من يكذب عذره ، وقال الزجاج : المعاذير الستور والواحد معذار أي وإن أرخى الستور وأغلق الأبواب ، يريد أن يخفي نفسه فنفسه شاهدة عليه ، وكذا قال الضحاك والسدي ، والستر بلغة اليمن يقال له معذار كذا قال المبرد والأول أولى ، وبه قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وابن زيد وأبو العالية ومقاتل ومثله قوله : يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ [ غافر : 52 ] وقوله : وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [ المرسلات : 36 ] وقول الشاعر : فما سن أن يعذر المرء نفسه * وليس له من سائر الناس عاذر وقال النسفي والمعاذير ليس بجمع معذرة لأن جمعها معاذر بل هي اسم جمع لها ونحوه المناكير في المنكر ، قال الشيخ وليس هذا البناء من أبنية أسماء الجموع وإنما هو من أبنية جموع التكسير وهو الصحيح . لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ أي لا تحرك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي لتأخذه على عجل مخافة أن يتفلت منك ، ومثل هذا قوله : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [ طه : 114 ] الآية . إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ في صدرك حتى لا يذهب عليك منه شيء وَقُرْآنَهُ أي إثبات قراءته في لسانك وهو تعليل للنهي ، قال الفراء القراءة والقرآن مصدران . فَإِذا قَرَأْناهُ أي أتممنا قراءته عليك بلسان جبريل عليه السلام وبيناه فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أي فاستمع قراءته وكررها حتى يرسخ في ذهنك ، وقال ابن عباس يقول اعمل به ، وقال قتادة فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أي شرائعه وأحكامه . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ أي تفسير ما فيه من الحلال والحرام وبيان ما أشكل من معانيه . قال الزجاج : المعنى أن علينا أن ننزله عليك قرآنا عربيا فقه بيان للناس ، وقيل المعنى أن علينا أن نبينه بلسانك ، وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب ، وهو اعتراض بما يؤكد التوبيخ على حب العجلة لأن العجلة إذا كانت مذمومة فيما هو أهم الأمور وأصل الدين فكيف بها في غيره .